الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.. الفقيه المربي ||   نسخة للطباعة

بقلم : أحمد عبد الرحيــم كتب الأستاذ أحمد عبد الرحيم (مدير إدارة النهضة في منتدى النهضة والتواصل الحضاري في السودان) هذه الكلمات منذ عدة سنوات، حيث وقف على ما رآه محطات مهمة في مسيرة العلامة الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي) الفكرية والتربوية.. ونحن إذ ننشرها على حلقات.. نوجه له الشكر على كلماته.. وندعوكم قراءنا الكرام إلى الاستفادة من حياة العلامة الجليل الدكتور البوطي بكل ما فيها من مواقف.. إدارة التحرير في موقع رسالتي . نت
 |  8/4/2011

د.محمد سعيد رمضان البوطي:
الفقيهُ الـمُـربـِّي (1)

أستأذن فى أن أَلِج إلى هذه الإطلالة على عالم الفقيه المربِّي العلاَّمة الجليل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي من مَدخلٍ قد يبدو ـ أولَ مرةٍ ـ أنه شخصي.
كنتُ فى أيامي الأولى بكلية أصول الدين (جامعة الأزهر) حين أهداني أستاذي الشاب الدكتور محمد سالم أبوعاصي، الذي كنتُ حديثَ التعرف إليه، كتابَ الدكتور البوطي «هذا والدى: القصة الكاملة لحياة الشيخ مُلاَّ رمضان البوطي»، فكان أولَ احتكاك حميم بكتابات الشيخ الذي كنتُأقرأ له وأتابعه في إطار اهتمامات متشعبة. كنتُ حينها فى بَرْزخٍ من الـحَـيْرة الفكرية والمذهبية.. أُوشِك أن أودِّعَ مرحلةً من حياتي الفكرية والعلمية وأستقبلَ أخرى. كتاب شيخنا هذا كان حاسماً فى إنهاء حال القلق والتردد، وقطع بعض ما كان يشدنى إلى بعض «ضلالى القديم»!
فى هذا الكتاب.. قصَّ شيخنا الجليل، ببساطة متناهية وحميمية آسِرة، قصة والده الغنية العميقة. فوجدتُنى أمام نَموذج من عصرنا للتصوف حين يكون حقيقيًّا، نابعاً من شوقٍ يكابده المرء وصَبابة يعانيها.. لا من مصطلحاتٍ وأقوالٍ يرددها، وأحوالٍ ومقاماتٍ يَدَّعيها. حيث كان مُلاَّ (وهو لقب كردي يقابل «الشيخ») رمضان، وكما يقص ابنه البارُّ، شديدَ الاشمئزاز من أولئك الذين يجعلون من التصوف رُكاماً من الفلسفة الكلامية.. يتحدثون عن الوَجْد والقَبْض والبَسْط والفَنَاء والأحوال وهم عن حقائق ذلك كله بعيدون تائهون، وكثيراً ما كان يشبِّههم بواصف نشوة الخمرة للناس رغم أنه لم يذقها قط! وكان يرى أن صدق الانفعال بثمرات الإيمان، التى هى حقيقة التصوف ولُبـُّه، لا يأتي إلا من سَعة العلم بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالشرائع والأحكام التى خاطب الله بها عباده.

@

أحببتُ أن أقدِّم بهذا الـمَدخل، الذى ليس شخصيًّا فى جوهره، أداءً لبعض ما طوَّق به شيخُنا البوطي أعناق الكثيرين جدًّا من أمثالى.. ممن انتشلتهم ـ بفضل الله ـ كتاباتُه العميقةُ، والشفيفةُ أيضاً، من بحار الحيرة والقلق إلى شاطىء البصيرة.. والحكمة أحياناً! جزاه الله عنى وعن أمثالى خير ما جزى عالِـماً مرشداً مربِّياً، وجزى أيضاً أستاذي ذاك خيراً ومسَّاه فى غربته بكل خير.

(1)
ولد الدكتور البوطى عام 1929فى قرية «جيلكا» قربَ جزيرة ابن عمر (الجزيرة الفُراتية) شمالَ شرقيِّ سورية (وهى الآن داخلةٌ فى حدود تركيا)، وحين بلغ الرابعة من عمره هاجر والده إلى دمشق. وبعد أن أنهى دراسته الثانوية بدمشق قدِم إلى مصر عام 1953 ليلتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، حيث حصل على درجة العالِمية (الدكتوراه) فى أصول الفقه عام 1965، وطبعت رسالته هذه مراتٍ عديدة بعنوان «ضوابط المصلحة فى الشريعة الإسلامية». وتدرج فى مناصب كلية الشريعة بجامعة دمشق: معيداً، فمدرِّساً، فأستاذاً، فوكيلاً، فعميداً.. إلى أن تقاعد قبل سنوات؛ ليتفرغ لمواصلة جهوده العلمية والدعوية والثقافية العامة، في الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، وعبر مختلف وسائط الإعلام: مسموعاً ومقروءاً ومرئيًّا.
وقد أنجز الشيخ نحو ستين كتاباً فى علوم الشريعة الإسلامية وآدابها، والفلسفة والاجتماع ومشكلات الحضارة، والتصوف والأخلاق. وتُرجم كثير منها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. ولعل منأشهر كتبه قاطبةً سِفْرَه الماتع النافع «فقه السيرة» الذى تتوالى نَشَراته منذ عام 1968، ومن آخرها الأجزاء الأربعة التى تضمنت شرحاً ضافياً، مقرَّباً من ثقافة العصر وروحه، لحكم ابن عطاءالله السَّكَندرىّ. وبين هذين العملين الجليلين عشراتٌ من الدراسات والكتب والأبحاث والمقالات حول القرآن الكريم وعلومه، والسنة النبوية المشرفة، والفقه الإسلامى والقانونى، والعقيدة الإسلامية، والفلسفة والمذاهب الفكرية، وقضايا الاجتماع ومشكلات الحضارة، وتراجم الأعلام.. وأيضاً: الأدب الرفيع، حيث صدر له عملان روائيان، أحدهما مترجم عن الكردية وهو «مَـمُو زَيْن: قصةُ حبٍّ نَـبَـتتْ فى الأرض وأَيْـنع فى السماء» (لأمير شعراء الأكراد أحمد الخاني، المتوفى سنة 1953م)، والثانى مترجم عن بعض ما كانت تحكيه له أمه ـ رحمة الله عليها ـ وهو «سِيَامَنْد: ابن الأدغال» وهي حكايةٌ رمزية
وهو فى كل ما يكتب نَموذج رائع للفقيه الأديب، والمفكر البصير، الذى يعالج ما يعالج من قضايا الدين والفكر والاجتماع بعقل راجح مجتهد، ورؤية واعية مستشرِفة، وعاطفة إنسانية دافقة تبعد قارئها عن جفاف المعلومات والنَّموذج المتلقِّي الكَسول، إلى فضاء الحكمة المستخلَصة من التجربة العميقة؛ ليتأمل بعقله ويتفاعل بوجدانه. كما لا يخطىء قارئه أسلوباً أدبيًّا رفيعاً غيرَ مقلِّدٍ أحداً من السابقين أو المعاصرين، وأحسب أننى غيرُ مبالغٍ عندما أقول إنه لو تفرغ للأدب وحده لأصبح واحداً من أعمدته المميَّزين كما كان بَـلَدِيُّه الشيخ الأديب الفقيه على الطنطاوى رحمه الله (ومثله فى هذا الجانب الشيخ الجليل الداعية الأوَّاه محمد الغزالى رحمة الله عليه).


(2)
وأود، قبل التعرُّض بشىء من التفصيل لموضوع كتابه الأخير «شرح الحِكَم العطائية»، أن أتوقف أمام بعض المحطات المهمة من بين اهتمامات الشيخ ومجالات نشاطه، والتى بثها فى أعماله جميعاً، ولا سيما في كتابه الأخير هذا حيث يمكن أن نَعُدَّها من أبرز المحاور التى دار عليها..
... ...
وأبدأ برؤيته المتكاملة لما يجب أن يكون عليه ما يسمى ـ حسَب تعبيره ـ «المجتمع الإسلامي». ويتصل بهذا نقدُه العميق الباكر لبعض ممارسات وأفكار ما عرف بـ«الصحوة الإسلامية»، ومحاولاته ترشيدَها منذ سبعينيات القرن الماضى.
فالشيخ البوطي يقرِّر دائماً أن الإسلام ـ كما هو بَدَهيٌّ ـ لا ينهض دون مسلمين، وأن الناس لا يكونون مسلمين بمجرد التمنِّي أو التحلِّي أو النِّسبة العامة إلى الإسلام. وإنما يكونون مسلمين باصطباغهم بهذا الدين.. بَدءاً من أعماق أفئدتهم، إلى سائر مظاهرهم وأحوالهم. والسبيل إلى ذلك هى التربية الفردية الدقيقة.. يُؤخَذ بها المسلمون منذ نعومة أظفارهم؛ لتصطبغ سرائرهم بالإسلام: تزكيةً، وعبادةً، وتبتُّلاً إلى الله عزَّ وجلَّ. فإذا قام هذا الأساس على النحو الذى وصفه لنا الـرَّبـَّانيون وسار عليه سلفُنا الصالح؛ أقام مِن فوقه جهازَ حكمٍ صالحٍ، وساد من بعده حكمٌ إسلاميٌّ سليم. فما يسمى «المجتمع الإسلامي» يتحقق من مجموع ذلك كله.. لا من الضجيج بالشعارات واللافتات التي تحمل عناوينَ بَـرَّاقةً لا يكاد يتحصَّل تحتها مضمون!
ومن أجل هذا.. فالشيخ دائم التنبيه ـ منذ قديم ـ إلى ما يعتور هذه «الصحوة الإسلامية» من سلبيات وما تقع فيه من مآزق، حيث انحرفت فى كثير من تطبيقاتها إلى ثقافة تفرِّق ولا تُجمِّع، تتربص بالمخطىء ولا ترحمه، تتهارش على الشكل ولا تقصد إلى اللُبّ.. فنمَت أفكارٌ مُعْوَجَّةٌ: تَطُول حيث يجب أن تَقْصُر، وتَقْصُر حيث يجب أن تَطُول، وتتحمَّس حيث لا مكان للحماس، وتَـبْرُد حيث تجب الثورة! (كما كان الشيخ الغزالى ـ رحمه الله ـ يقول كثيراً).
وقد اهتم الشيخ البوطي بمثل هذه النواقص: جَبْراً لها، وترشيداً من سلوك أصحابها. وتناولها فى صُلب كتاباته وثناياها، وخصَّص لبعضها بعضَ أهم كتبه: «اللامذهبية: أخطـرُ بدعة تهدِّد الشريعة الإسلامية»، و«السلفية: مرحلةٌ زمنيةٌ مباركةٌ.. لا مذهبٌ إسلامي»، و«الجهاد في الإسلام»، و«هذه مشكلاتُنا».
وقد تسببت هذه الرؤية الناقدةُ/المستشرفةُ في انصراف بعض العاملين للإسلام (من اتجاهاتٍ شتى) عما لدى الشيخ من علم وحكمة وتجربة، وحاولوا صرفَ أجيالٍ ناشئةٍ عنه، بل وتعرض بسببها لأصنافٍ من الهجوم والإيذاء المعنوي. ومع هذا.. أثبتت الأيام صدقَ رؤاه، ودقةَ حَدْسه.. فضلاً عن المصداقية العلمية التي عنها صدر فيما انتقد ووجَّه. وفي مثل رؤيةٍ مستشرفةٍ كهذه يصدقُ قول دُريد بن الصِّمَّة: أمرتهمُ أمري بمنعرِج اللِـوَى/فلم يستبينوا الـرُّشدَ إلا ضحَى الغدِ!
وفى المقابل.. ناقش كثيراً من أفكار وشبهات أصحاب الـمَذهبيات الفكرية والفلسفية التي تعرضت بالنقد للعقيدة والشريعة، بدافعٍ من رغبة حقيقية فى المعرفة والإصلاح، أو انطلاقاً من كيدٍ ظاهرٍ أو خَفيٍّ للإسلام وأهله. فكتب بعضَ أعمق كتبه: «كبرى اليقينيات الكونية: وجودُ الخالق، ووظيفةُ المخلوق»، و«نَقضُ أوهام المادية الجَدَلية»، و«هذه مشكلاتُهم». بل إنه تعدَّى هذا السِّجالَ المكتوب من طرفٍ واحد إلى الحوار المباشر مع بعض رموز الفكر اليسارى المحترمين، كما صنع فى محاورات بثَّها التلفزيون السوري، فى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مع الدكتور طيب تيزيني، ثم فى محاورتهما العلمية الضافية التي ضمها الكتاب الأول من سلسلة «حوارات لقرنٍ جديد» التي أطلقتها دار الفكر بدمشق عام 1998م، وكان بعنوان «الإسلام والعصر: تحدياتٌ وآفاق».
ولا يَـمَلُّ الشيخ من انتقاد الغُلُوِّ والتطرُّف أيـًّا ما كان تجلِّيه: دينيًّا، أو لادينيًّا.. ومهما لقي من أصحابهما من أذىً.. فالغُلُوُّ كلُّه ـ كما يقرِّر ـ شرٌّ، والتوسُّط السُّلوكي والتوازن المعرفي هما صِمَّام الأمان لأية فكرة أو دعوة أو حركة.. وهذا هو ميزان الحكمة التي أوتي شيخنا منها ـ بفضل الله ـ حظًّا عظيماً.

(3)
ومن هذه الحكمة التي أزعم أن شيخنا الجليل قد أُوتي منها حظًّا عظيماً.. أنتقل إلى محطة مهمة مما يجدُر التوقفُ عنده فى مسيرة الشيخ.. تلك المتعلقةِ بمنهجه الذي يراه أجدى وأنفع فى علاقة العالِـم بالحاكم في بلادنا العربية والإسلامية..
فقد تعلم الشيخ من والده الجليل أن نصيحة الحاكم ضرورةٌ ما أمكن؛ إذ كان يعتقد أنها من أَجَلِّ القُرُبات إلى الله تعالى.. شَريطةَ أن تكون صافيةً عن شوائب الطمع في مَغنَم أو الفرار من مَغرَم، وأن تكون أيضاً في غاية الحكمة واللِين. كما أنه أرشده إلى أن كل فئات الأمة يجب أن تتقاسم هذه المسئولية وتتعاون فى النهوض بمهامها، وأن التعاون على هذا الطريق لا يكون إلا بالاعتماد على شبكة من حُسْن الظن المتبادل. كما نبهه إلى أن التكفير الكَيْفىَّ للناس سلاحُ الحاقدين والمنتقمين، وأن النصيحة القائمة على التعاون وحُسْن الظن هي سلاح المجاهدين حقًّا.
والشيخ يقصُّ، فى سياق عرضه اختيارَه العلميَّ والعمليَّ هذا، ما وجد نفسَه «مُقاماً» فيه (بتعبير السادة الصوفية)، من القيام بواجب النُّصح للرئيس السوري السابق حافظ الأسد منذ بدايات الثمانينيات من القرن الماضى، حين كانت حوداث «الفتنة» ـ بتعبيره ـ على أشُدِّها بين النظام السوري وجماعة «الإخوان المسلمون»، وكان قد تردد في بَدء هذه الصلة لولا أن حثَّه عليها والده الجليل ناصحاً إياه بما سبق.. وعن هذا يقول أيضاً: «ذاك هو منهج والدي ـ رحمه الله ـ في الصلة بالحاكم وطريقة النُّصح له، وتلك هي وصيته لي ـ رحمه الله ـ. ولن أحيد عن هذا المنهج بتوفيق الله وعونه حتى ألقَى الله عز وجل: أُوصي بالخير، وأُحسِن الظن، وأشكر على ما قد يتم إنجازُه من الحق.. مبتعداً عن المغانم والمنافع الدنيوية التي قد تَـلوح من خلال ذلك. ولن أفتأ أدعو له (أي الحاكم)، كما أوصانا، بمزيد من الاستقامة على الـرُّشْد.. ما حييت. فقارن ـ رحمك الله ـ بين هذا النَّهْج الذى ربَّانا عليه مَن لا يشك أحدٌ ممن عرفه في إخلاص سَريرته وصفاء قَصده ونزاهته عن الدنيا ومغرياتها، وبين أولئك الذين بلغ بهم الأمر أن ضاقوا ذَرْعاً بوصفي لقُطرنا العربى السورى بـ «المؤمن» لأنه ربما يمتد بالسِّراية إلى رئيسه!».
وانطلاقاً من هذه الرؤية، التى يحكمها إخلاصُ النية وتجويدُ الأداء، نهض الشيخ إلى ما رآه واجباً عليه بمقتضى إقامة الله تعالى إياه فى مقام «العالِـمية»، فخاطب الرئيس حافظ الأسد وعدداً من الملوك والرؤساء والمسئولين الآخرين: ناصحاً إياهم، شادًّا على أيديهم فيما صنعوا من خير، منبِّهاً على ما يراه تقصيراً أو مَزْلَقاً. وكان له دورٌ كبيرٌ فى تحسين الأجواء ـ ولو قليلاً ـ ببلاده بقَدْر ما قدَّر الله له، حتى إنه توسط لكثير من الأعلام الذين أُبعدوا عن سورية السنينَ ذواتِ العدد ليرجعوا من ثَمَّ.. يتفيَّؤوا ظلالَ شامهم الذى طال شوقهم إليه.
ومع هذا.. لم يَسلم من انتقادات واتهامات كثيرة بسبب هذا النَّهج.. بعضها مخلص، وأغلبها ذو هوىً. حتى اضطُر إلى نشر نصوص ما ألقاه من كلمات بين أيدي الملوك والرؤساء والمسئولين فى كتاب خاص ("هذا ما قلتُه أمام بعض الرؤساء والملوك")، طالباً أن يتأملها منتقدوه ليخرجوا منها بما يرونه تقصيراً فى نصيحة، أو تجاوزاً فى مَديح، أو كلاماً ذا لَـحْنٍ إلى هوىً أو منفعة شخصية. ومن المؤثِّر والدالِّ في هذا الكتاب أنه ذكر ـ متألِّـماً ـ فى مقدمته أغرب سؤال تلقاه فى حياته، وهو التساؤل عن سر بكائه وهو يصلي على جنازة الرئيس حافظ الأسد (نزولاً على حد وصيته). فإذا اضطُر المرء إلى تعليل فَيَضان عينه وَجْداً وجَيَشان مشاعره تأثُّراً بجلال الموت وهيبته، فضلاً عن الاعتذار عنهما؛ فهل يَسلم بعد هذه منطقٌ فى الانتقاد؟! ورحم الله أباذُؤَيبٍ الـهُذَلي حين اعتذر لحبيبته فى قوله : وعيَّرها الواشونَ أنِّي أحبُّها /وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها!
وهو يسائل (في «هذا والدي») من ينتقده بغير وجه حقٍّ قائلاً: «.. فِيْمَ تحولتْ محاريب الدعوة والإرشاد إلى ساحات بطش وانتقام؟! لماذا اختفت القلوب التي يجب أن تَفيض شفقةً على عباد الله؛ لتَـبرُزَ في مكانها قلوبٌ تفيض بالشحناء والبغضاء؟! تُـرَى.. إلامَ كان يؤول حالُ الناس لو أن الذين يتقلبون في هَمِّ إقامة «المجتمع الإسلامي» سلكوا طريق هؤلاء الرَّبَّانيين في محاورتهم ودعوتهم إلى الله؟! إذن.. لفتحوا ـ والله ـ مغاليقَ الأفئدة بكلماتهم النورانيـة، ولَدانت لهم الرُّتَب، ولَتعشَّقتهم النفوس! ألَا.. إن الطريق إلى ذلك مفتوح، ولن يتكلَّف السائرُ فيه إلا إخلاصاً لله، وصفاءً في القَصد، وعبوديةً واجفةً لله، وترفُّعاً فوق محبة الشهوات والأهواء والعصبيات» .
والشيخ البوطي ينتهز أية مناسبة أثناء حديثه وكتابته ليؤكِّد على مثل هذه المعاني النبيلة التي خسرت مجتمعاتُ المسلمين كثيراً بغيابها عنها..
ففي سياق تعليقه ـ مثلاً ـ على حكمة ابن عطاءالله السَّكَندَري الجميلة «ادفِنْ وجودَكَ في أرض الـخُمول.. فما نبت مما لم يُدفَن؛ لا يَـتِمُّ نَتـاجه».. يقص واقعةً دالَّةً على أهمية الوعي بمثل هذه المعاني المعرفية والسلوكية، وخطورة الغفلة عنها، لا سيما في مجالات الدعوة الإسلامية والعمل العام.. يقول: «زارني مجموعة من الشباب الذين قفزت بهم أنشطتُهم الحزبية والاجتماعية إلى ذُرا منابر الدعوة والتوجيه والأمر والنهي، دون مرور بهذه المرحلة التكوينية التي يتحدث عنها ابن عطاءالله في هذه الحكمة. ولما اطمأنت بهم مجالسُهم.. نظر إليَّ أحدهم ناصحاً ـ وكان أصغرَهم سِنًّا ـ وقال: قال الله تعالى «ولا تَرْكَنوا إلى الذين ظلموا فتَـمُـسَّكم النار».. قرأ الكلمة بهذا الشكل: «فتَـمُـسَّكم» بضم الميم! استعدْتُه تلاوةَ الآية، ظانًّا أن الخطأ في تلاوتها إنما كان سَبْقَ لسان.. فأعادها كما بدأها، دون أن يتنبه إلى أنه أخطأ فى شيء ما. قلتُ له: ولكن الآية، كما هي فى القرآن وفى اللغة: «فتَـمَسَّكم»، بفتح الميم لا بضمها.. عليك إذن أن تعود فتصححَ تلاوةَ الآية. حاول الشاب كثيراً دون جدوى، ولم يستطع أن يُقيم لسانه على نُطق سليم بكلمة «فتَـمَسَّكم»! قلتُ له: يا هذا.. لقد حملتك غَيْرتُك الفَجَّةُ على الإسلام على أن تجلس مني مجلس الناصح والواعظ، فهَـلَّا حملتْك غَيْرتُك هذه على أن تتعلم القرآن أولاً ؟!».
ثم علَّق الشيخ: «والحق.. إني أسفتُ جدًّا لهذه المفارقة، ولكني لم أستغربْها ولم أَعجب منها! إذ إن حال هذا الشاب لم يكن بِدْعاً أو فريداً فى أمثاله، بل هو نَموذج لحال كثير من الشباب الذين يتربعون اليوم على أريكة الإرشاد والتوجيه، قَفْزاً فوق مرحلة التكوين التي يتحدث عنها ابن عطاءالله.. رشَّحتهم لها المراكز الحزبية أو الأنشطة الاجتماعية أو المصالح المتبادَلَة، في غياب تامٍّ لمشاعر الغَيْرة على الحق والإخلاص لدين الله عز وجل!».
... ...
ومهما يكن من شيءٍ .. فلأيٍّ أن يختلف أو يتفق مع الشيخ فى نَهْجه هذا، ولكنَّ الذي لا يجوز بحالٍ هو تجاوُزُ مرحلة الاختلاف في الرأي والاجتهاد إلى تَسوُّر القلوب، والحكم على ما لا مُطَّلِعَ عليه إلا اللهُ تعالى! فحَسْبُ العامل أن يعمل بما أدَّاه إليه اجتهادُه، وهدتْه إليه التجرِبةُ وملابساتُ الواقع.. وحسابه وجزاؤه على الله تعالى وحده.
وإذا كان لمنتقدي الشيخ البوطي في هذا كلَّ الحق في الانتقاد ـ كما أسلفتُ ـ؛ فإنه يَجدُرُ بهم أيضاً ألَّا يكونوا من القاعدين.. الذين لا يعملون، ولا يعجبهم أيضاً أن يعمل العاملون (على حد تعبير الدكتور طه حسين مهدياً كتاباً له إلى بعض شاتميه!).. فالأمر هو على ما قال الأول : لا تَقُلْ عن عملٍ: ذا ناقصٌ/ جِىءْ بأوفَى.. ثم قلْ: ذا كاملُ! أو على ما قال الحُـطَـيْئة ناعياً على مثل الذين وصف طه حسين: أَقِـلُّوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ،/ من اللومِ.. أو سُدُّوا المكانَ الذى سَدُّوا!
والله أعلم.

أحمد عبد الرحيم
araaheem@hotmail.com

درس خاص لفضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن الأحداث التي تمر بها سوريا


الجزء الأول


الجزء الثاني الجزء الثالث
Bookmark and Share
+ أضف تعليق عرض كل التعليقات

عدد تعليقات الزوار (1)

  1. تعليق للنشر 9/4/2011 | عطاء
    شئناام ابينا الدكتور البوطي شخصية فاعلة ولها وزنها وثقلها وتمثل طيفا كبيرا من اطياف المجتمع وباعتقادي كلامه يحمل الكثير من المنطق البنّاء....اما بالنسبة للعم ابو عماد فمكتوب عليك تاخد دائما باقتراحاتي واسالك بالله الم يان الاوان كي تسلم لما احمل لك من افكار ؟؟؟!!!...سواء هنا ام في الفيديو المهم الفكرة والشخصية بحد ذاتها
 

روابط متعلقة 





















 
مواقع صديقة
مواقع محلية
مواقع عالمية
مواقع خدمات