ابراهيم هنانو " مجنون " الحرية ...1945 ||   نسخة للطباعة

سيريا نيوز: " طيارة طارت بالليل فيها عسكر فيها خيل فيها ابراهيم هنانو راكب على ضهر حصانو.." كلمات لأغنية شعبية انتشرت ومازالت باقية... واللافت في هذه (الأهزوجة) هو الخيال الشعبي الذي مزج بين الحلم والأمنية بأن يكون لهذا المناضل طيارة وعساكر في الجو، وبين الواقع أي صورته الحقيقية وهو يقاتل على حصانه..
 |  31/3/2011


ولعل جموح الخيال الشعبي كان متجاوباً مع عنفوان ثورة هنانو والتي كانت ضرباً من المستحيل أو الجنون في ظل اليأس المطبق من إمكان مقاومة القهر والظلم والذل الذي حكمت به فرنسا البلاد...

مقال من مجلة ـ الحديث ـ بمناسبة الذكرى العاشرة على وفاة الزعيم ابراهيم هنانو، يعرض لصورة الوضع القائم في سوريا العشرينات، والظروف التي أدت إلى ولادة الثورة على الفرنسيين رغم اختلال موازين القوى الكاسح لصالح المستعمر... لكن الإرادة الحرة أبت إلا أن تسطر واحدة من صفحات الكفاح في تاريخ سورية وتوقد شمعة في ليلها الطويل، فولدت ثورة هنانو التي كانت فاتحة لثورات لاحقة تكللت باستقلال سورية..

نعيد نشر هذا المقال، احتفالاً ببطولة السوريين وشجاعتهم وتكاتفهم وحبهم لوطنهم واستعدادهم للتضحية من أجله ... هذه القيم الأصيلة في وجدان شعبنا هي التي عبدت طريق الانتصار على الجيوش الأجنبية العاتية وتكبيدها خسائر مادية ومعنوية وكشف زيف ادعاءاتها أمام شعوبها بأنها تساعد الدول الصغيرة على التنعم بالحرية...


الحديث* العدد 10 تشرين الأول 1945

الفترة التي أعقبت انهيار عرش فيصل في سوريا، كانت فترة مليئة بالعبر، فاضت حواشيها باليأس الحالك، بعد أن ازدهرت بالآمل الباسم، فقد دخل الافرنسيون بنزعة الفاتحين المتسلطين، وسياستهم التي بسطوا ظلالها القاتمة هي السياسة الاستعمارية التقليدية التي فرضوها في الجزائر ومراكش وتونس والهند الصينية، وفي كل بقعة دخلوها باسم الحماية والتمدين، أما الوصاية التي فرضتها عصبة الأمم ونظام الانتداب الذي دللوا به ومساعدة الأمم الصغيرة للتدرج في طريق الحرية لتأخذ نصيبها من الحياة الحرة الوادعة فهذه ألفاظ معسولة .. ليسدل ستاراً على سياسته الباطشة التي كانت تستهدف " فَرنسة " هذه البلاد ومحو كل أثر من كرامتها القومية وعزتها الوطنية.

ولقيت سوريا خلال هذه الفترة أياماً محلولكة (حالكة) السواد، بغيضة، قاتمة، فمن حد للحريات، إلى تعطيل للاجتماعات، إلى اتهامات، إلى فرض غرامات، إلى أحكام عرفية جائرة، إلى نفي، إلى تشريد، إلى تعذيب قسري، إلى غير ذلك مما يشكل سفراً أسود في تاريخ حكم فرنسا لهذه البلاد.


وكانت الأمة تنظر إلى هذه السياسة الاستعمارية البغيضة بقلب واجف، ونفس قلقة مضطربة، وقد ران الخوف على كل إنسان، وعقد الذعر كل لسان عن النطق والبيان، حتى كان الحديث بين الأخ وأخيه بالهمس خشية العيون التي كانت لا تتورع عن الاتهام بالحق وبالباطل والتي كان أقل ذنب لمن يقع فريسة هذه الاتهامات السجن مدى الحياة مع مصادرة أملاكه وتشريد عائلته و...

هكذا دخل اليأس إلى قلوب الكثيرين..

لكن رجلاً وادعاً رقيق التكوين لا تفارق الابتسامة ثغره... قد أراد أن يفسد هذه النظرية، وأراد أن يبقي للأمة أملها، وأن تقضي على هذا اليأس المميت الذي ران بأجنحته السود على القلوب، وكاد يقضي على النفوس ـ هذا الرجل ابراهيم هنانو، فقد كان رحمه الله رجلاً ليس كالرجال، انقلبت وداعته ورقته وابتسامته إلى ثورة عاتية، انقلب هذا الشيخ إلى عصب من نار، لقد اضطربت أمواج الأثير بنبأ انقسم الناس بين تصديقه وتكذيبه : وهو إعلان ابراهيم هنانو الثورة على الافرنسيين !

كيف؟ أصحيح هذا ؟ من يجسر أن يقف أمام أكبر قوة تعززها أعظم دولة ولا عتاد لدينا ولا سلاح، ولا تنظيم ولا نظام.


وراح الناس يتساءلون: ما لهذا الطيش يقوم به هذا المجنون؟ ما الذي تستطيع أن تفعله العصابات وهي شرازم متفرقة مع حملة منظمة من جيش مدجج بالمدافع والطائرات؟

أما القلوب المؤمنة والنفوس المطمئنة فقد شارفها بصيص الأمل، وراح بعض رفاق هنانو يقولون بروح من الثقة العارمة إذا ذهب استقلال فيصل فإن استقلالاً جديداً سيولد من جديد على يد هنانو.

كانوا يقولون هذا مع علمهم بفشل هذه الثورة، ليؤكدوا أمرين:

الأول : القضاء على اليأس الذي كاد يميت روح الأمة ومعنوياتها.

الثاني عم الاعتراف بهذا النظام البغيض ـ نظام الانتداب والاستعمار ـ الذي فرض على الأمة فرضاً.


كانت هذه الفئة قليلة، ولكن كانت الأمة كلها من ورائها، وبدأ القتال في تلك البقعة التي نشأ في ظلالها ابراهيم، وفي البقاع الملاصقة لقريته الوادعة (كفر تخاريم) وصبت النار على هذه القرية وعلى أهاليها ومن جاورهم، وزج أكثرهم في السجون، وصودرت أموالهم، ونهبت قراهم، لا لشيء إلا لأن ابراهيم هنانو من كفر تخاريم وأخذت ثورته تمتد إلى الأطراف، وأخذت فرنسا تجهز الحملة إثر الحملة، ويشاء الله أن يكون الفوز دائماً لهذه الفئة القليلة التي استطاعت أن تشغل فرنسا سنة وبعض السنة ولكن هل كان بوسع ابراهيم أن يتغلب على هذه الجيوش التي أعدت للقضاء عليه..لا.. لقد انتصرت فرنسا على ثورة ابراهيم بعد أن أضاعت الكثير من جنودها وعتادها، وأذاقت الأهالي الكثير من بطشها وجبروتها.. نعم انتصرت فرنسا، لكن المغزى الحقيقي الذي أراده ابراهيم من ثورته هو أن يثير في النفوس الثورة الكامنة على المستعمر مادام مسيطراً، وكان يعلم في قرارة نفسه أن مئات السنين في حياة الشعوب كعشراتها في حياة الأفراد...

واستطاع أن يوقد في قلوب السوريين شعلة مضطرمة ظلت متقدة عشرين عاماً كاملة، ولن تنطفئ إلى أن تتحرر البلاد من آخر ظل للأجنبي.

لقد حول هنانو يأس الأمة إلى أمل، وأثار في نفسها معاني العزة والكرامة والثورة والتحرر، ومن ثورته هذه ـ أولى الثورات التي قامت في سورية ـ ولدت عدة ثورات، وكانت الثورة الكبرى في جبل الدروز، وفي غوطة دمشق وفي كل بقعة من الوطن امتداداً لثورة هنانو...

نعم من بريق تلك الثورة الحمراء انبثق هذا العهد الجديد... واستطاع أن يهيء الجيل الجديد لأن يثور دائماً على الظلم، وأن يتمرد على الطغيان وأن يكون أداة حية للحرية الباسمة التي لا عيش لأمة بدونها..."



ابراهيم هنانو (1869ـ1935)

ولد في إحدى قرى ادلب (كفر تخاريم) في سوريا من أصل كردي

درس الحقوق في اسطنبول، وعمل فيها ثم في حلب

قام بجمع أثاث بيته وأحرقه معلناً بداية الثورة وقال جملته المشهورة : لا أريد أثاثاً في بلد مستعمر

وقف ضد الانتداب الفرنسي على سوريا، وقاتل الفرنسيين في الكثير من المعارك حتى قام بإعلان دولة حلب وأقام فيها حكومة مستقلة بإدارته بعض الوقت

حكم عليه أربعة مرات غيابياً بالإعدام، وفي طريقه إلى القدس قبض عليه الانجليز وسلموه للفرنسيين، قدم للمحاكمة لكن القاضي الفرنسي أطلق سراحه معتبراً ثورته سياسية مشروعة، معلناً استقلال القضاء عن السلطة العسكرية.

كان أحد أعضاء الكتلة الوطنية وزعيم الكتلة في شمال سورية

في 1932 انتخب زعيماً للكتلة الوطنية

رثاه الكثير من الشعراء والسياسيين الوطنيين بعد وفاته

سلطت بعض الأعمال التلفزيونية الضوء على حياته ونضاله مثل : حمام القيشاني، إخوة التراب

تم تخصيص شارع يحمل اسمه في معظم المحافظات السورية



* الحديث

مجلة أدبية تاريخية اجتماعية

صدرت شهرياً في حلب / سوريا منذ عام 1927 حتى عام 1960 وأصدر منها 32 مجلداً.

صاحبها ومحررها المسؤول : سامي الكيالي

مواضيعها رصينة غنية ومتنوعة، اهتمت بتعريف القارئ السوري على أهم التيارات الفكرية والفلسفية في العالم، وناقشت الموضوعات التاريخية والاجتماعية عن الذكاء والجريمة والفاشية وأصول الشعوب وسير العظماء في الفلسفة والطب والفيزياء... بالإضافة إلى عنايتها الخاصة بالأدب من القصة القصيرة والشعر الذي لم يقتصر على الكتاب المحليين أو العرب وخاصة المصريين واللبنانيين والعراقيين...بل شمل ترجمات لكتاب عالميين. وتعتبر المجلة مرجعاً للتيارات الفكرية والاتجاهات الثقافية التي كانت متواجدة آنذاك في سورية والعالم العربي.



سامي الكيالي : (1898ـ1972)

ولد في حلب

أصدر مجلة الحديث في حلب

كتب في جريدة التقدم الحلبية لصاحبها شكري كنيدر

شغل العديد من الوظائف والمناصب الثقافية في سورية، كان مديراً لدار الكتب الوطنية في حلب، ثم مديراً للمركز الثقافي في حلب، ومستشاراً ثقافياً للوفد السوري في اليونسكو، وعضواً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في مصر وسورية، وعضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، وفي اتحاد الكتاب العرب في دمشق، وفي اللجنة الثقافية في الجامعة العربية...

دافع عن حرية الفكر وكرامة الإنسان وتطوير الأدب وحقوق المرأة وضرورة التعليم، وعانى من المتزمتين المعادين لفكره المتحرر والمواكب للعلم والحداثة..

لديه عدد من المخطوطات، ومن مؤلفاته المطبوعة : نظرات في التاريخ والنقد والأدب، شهر في أوربا، مع أبي العلاء..


 
Bookmark and Share
+ أضف تعليق عرض كل التعليقات

عدد تعليقات الزوار (1)

  1. انا بتنفس حريّة 31/3/2011 | عطاء
    نحنا منغنيا على النحو الآتي:طيارة طارت بالجو(موبالليل)كون الجو هو رمز للحرية والهواء الطلق بلا قيود او عقبات او حواجز،فيها عسكر فيها ضو (حرية مضيئة ومكشوفة وصريحة وواضحة وضوح الشمس وليست خائفة او متخباية بالعتمة او خلف سواد الليل)،فيها ابراهيم هنانو راكب على ضهر حصانو(الحصان رمز الجموح والاصالة باتجاه آفاق جديدةA walk to new horizoos....الله لا يحرم حدا الحرية الواعية المسؤولة المنظمة وليست الفوضوية المشوشة
 

روابط متعلقة 





















 
مواقع صديقة
مواقع محلية
مواقع عالمية
مواقع خدمات